ماحدش ليه دعوا بيا..

-لستم أكثر منا تدينا لتعظونا
-خليكم في أنفسكم
-وفروا نصائحكم
-احنا فاهمين ديننا أحسن منكم
-انتم مين عشان تحكموا على غيركم؟ 

وهكذا تتوالى الردود النافرة الرافضة لأصل فكرة بسيطة ومعروفة في دين الإسلام بل وفي أي شريعة سبقته 

فكرة الدعوة 
النصيحة والتوجيه للخير
فكرة حين طبقتها الأمة يوما استحقت الخيرية وأن يقول عنها ربها "كنتم خير أمة أخرجت للناس"
لماذا؟؟
لأجل سواد عيونكم مثلا؟!
بالطبع لا
إنها الدعوة والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. 
"تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله"
هذه هي علة التفضيل وهذا مربط الفرس 

وفي الأمم السابقة كان ذلك أيضا هو معيار التفضيل فيها 
(وَمِنْ قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ)
[سورة اﻷعراف]
وليس من قوم موسى فقط بل من كل الخلق دائما ما تجد من يهدون بالحق ويعدلون به

(وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ)
[سورة اﻷعراف]

بل ولقد لُعن بنو إسرائيل بسبب تفريطهم في تلك الفكرة كما ورد في سورة المائدة بشكل صريح واضح

القيمة إذاً ليست مستحدثة ولا مفتعلة 
هي متأصلة راسخة لا غرابة فيها
المشكلة في نوعية الردود التي تربط تلك الفكرة  دوما بذلك الوهم والتلازم القابع فقط في خيال مناهضي التدين وكارهي الدعوة والنصيحة ومن يقومون بها 

وهمٌ خلاصته أن كل هذا ما هو إلا نوع من ادعاء الفضل وسبيل ينتهجه الداعي أو الناصح ليعلو على الخلق ويتسلط عليهم! 
وهؤلاء لا ينفكون أبدا عن ترسيخ ذلك الوهم بشتى السبل وتنضح به كلماتهم  ومقالاتهم 
 
والحقيقة أنها ليست دعوى جديدة 
لقد قالها قوم نوح من قبل : " مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ" [سورة هود 27]

إنها نفس الفكرة بتمامها
كفاك تفضيلا لنفسك و أتباعك علينا ، فلسنا نرى لكم علينا من فضل وما أنت إلا بشرا مثلنا
بل نقولها لك و اعقلها جيدا:  إنا لنظنكم كاذبين 


هكذا أيضا توالت الاتهامات وانهمر سيل الكلمات  على مسامع نوح عليه السلام 

تقولون ما هو إلا بشر مثلكم وليس له فضل عليكم ؟!
فوالله ما جاوز ذلك يوما  ولا ادعى غيره 
وها هو ذا يؤكد مرة أخرى على هذا المعنى:   "وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَك"ٌ [سورة هود 31]
لم يدع يوما أن معه خزائن ملأى بالمال يغنيكم بها و يزيد مالكم

ولم يقل يوما إنه يعلم الغيب ولم ينسب صفة من صفات خالقه لنفسى
إنما لسان حاله ومقاله كسائر إخوانه الأنبياء عليهم السلام: "إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلىّ" 
لكن كما أنه بشر فأنتم كذلك.. 
والحقيقة أنكم أنتم من زعمتم لأنفسكم فضلا على غيركم فرفضتم النصح ممن هو مثلكم أو ترونه أقل منكم
و هكذا حال المستكبرين فى كل زمان
يرمون من يدعونهم إلى الخير بتهمة التكبر والرغبة فى العلو عليهم والحق أن ذلك داؤهم وتلك آفتهم  وكما قال الأولون: رمتنى بدائها وانسلَّت.. 
لكن الحقيقة أن دافعهم في تلك الاتهامات وعلة هذه الافتراءات والأوهام مختلف 
دافع لخصه نبي كريم من أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم جميعا 

"فَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ یَـٰقَوۡمِ لَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُمۡ رِسَالَةَ رَبِّی وَنَصَحۡتُ لَكُمۡ وَلَـٰكِن لَّا تُحِبُّونَ ٱلنَّـٰصِحِینَ" 
هكذا أعلنها نبي الله صالح عليه السلام
القوم لا يحبون الناصحين
تلك هي الحقيقة التي أقرها القرآن ويرفض أولئك الكارهون الاعتراف بها
فلتكثر الحجج ولتتنوع الاتهامات ولتنهمر الافتراءات لكنها ستظل تؤدي إلى تلك الحقيقة
كراهية النصيحة
والدين النصيحة... 
هذا ما أعلنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولخصه بتلك الجملة القصيرة شاء من شاء وأبى من أبى
"الدين النصيحة" 

طبعا هناك مشكلة لا ننكرها في بعض من يقومون بهذا الأصل العظيم
أصل النصيحة والدعوة 
من يصرون بقصد أو بدون قصد على أن يعطي أصحاب ذلك الوهم والادعاء المغلوط حجة وبينة تؤكد دعواهم وتعضد مسعاهم

أولئك الذين يجعلون من دعوتهم وعلمهم مطية للعلو على الناس وكسب المزيد من الأتباع والمريدين ويرفضون بلسان الحال والمقال أن يعاملوا معاملة البشر وأن ينزلوا منازل البشر.. 
ويعينهم على ذلك أتباع مغالون لا ينفكون عن تقديسهم وتعظيمهم وإضفاء هالات الجلال على شخوصهم ويرفضون أي نقد أو اختلاف أو رفض لآراء ساداتهم وكبرائهم! 

ولا يدري الصنفان تابعين ومتبوعين أنهم إنما يعينان بقوة أولئك الذين صدرت المقال بذكرهم ويبررون مزاعمهم ويعطونهم أعظم هدية ينتظرونها بشغف
هدية القداسة المزعومة المغلفة بالغلو والمزينة بالتعصب ومعرفة الحق بالرجال
لكن التطبيق الخاطيء لن يغير حقيقة الشرع ولن يبدل أصوله
ستظل النصيحة دينا وستبقى الدعوة إلى الله أصلا ثابتا في دين الله وسيظل موطن خيرية هذه الأمة في إصلاحها وقدرتها على التغيير للأفضل وسيظل المصلحون الصادقون المخلصون هم صمام الأمان الذي به ينجي الله الأمم من الهلاك بذنوبهم
"فَلَوۡلَا كَانَ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِن قَبۡلِكُمۡ أُو۟لُوا۟ بَقِیَّةࣲ یَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡفَسَادِ فِی ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا قَلِیلࣰا مِّمَّنۡ أَنجَیۡنَا مِنۡهُمۡۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟ مَاۤ أُتۡرِفُوا۟ فِیهِ وَكَانُوا۟ مُجۡرِمِینَ. وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِیُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمࣲ وَأَهۡلُهَا مُصۡلِحُونَ"
تأمل..
وَأَهۡلُهَا مُصۡلِحُونَ..
فاللهم اجعلنا منهم..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

Ugly face of racism in Minneapolis

ريمديسيفير الى أين؟؟

وأخيرا ارتحنا من صاروخ الصين الصاروخ الصيني الخارج عن السيطرة يسقط في المحيط الهندي